هل دخلت الدراما مرحلة تمجيد البطل الخارج على القانون؟

 

لبنى شاكر:
لم يصدر تصريحٌ رسمي عن أي جهة درامية لأعداد القتلى الذين سقطوا افتراضياً خلال الموسم الدرامي الأخير، لكن لاشك في أن الرقم يقارب ما تتناقله نشرات الأخبار يومياً إن لم يكن أكبر، 

ولربما تحمل شارات الأعمال في سنوات قادمة قوائم بأسماء خبراء التفجيرات والاشتباكات وأخرى لكومبارس الضحايا اللازمين لنجاح المسلسل، ولا ينتهي الأمر هنا فما يستحق التوقف عنده أيضاً، سقوط أولئك دفاعاً عن مجرم يمتهن تهريب الأسلحة والمخدرات، هكذا حققت الدراما إنجازاً غير مسبوق في عالم الموت المجاني، بترويجها مفاهيم تمجّد العنف وتقدّس العنتريات عبر مجموعات من حاملي البنادق والقنابل والسكاكين، مستعدون للتضحية بأرواحهم دفاعاً عن بطل هارب من العدالة، وإن اختلفت هيئته ولهجته وتبعيته، لكنه يتمتع دائماً بسطوة يستسلم لها مريدوه ويخلصون لها حتى آخر رجل، وهو ما تفنن به صنّاع أكثر من عمل درامي منها «الهيبة»، «خمسة ونص»، «هوا أصفر» وغيرها… فهل دخلت الدراما مرحلة تمجيد البطل الخارج على القانون، وكيف يمكن لأي عمل درامي أن يحاكي واقعاً يعد «الزعران» و«أبطال الفساد» جزءاً منه، من دون أن يقع في مطب الترويج لهؤلاء والتسويغ لهم؟ هذا ما توجهنا به إلى الكاتب والسيناريست د.ممدوح حمادة، صاحب أعمال شهيرة أهمها «ضيعة ضايعة» و«الواق واق» وغيرهما، والكاتب أسامة كوكش وفي رصيده مسلسل «حائرات» و«ناس من ورق» وغيرهما.

يشرح الكاتب د.ممدوح حمادة في حديثه لـ «تشرين» أن كل شخصية بشرية تحمل في داخلها القطبين، الخير والشر، في العلن يتغلب الخير بفعل القيم المكتسبة والخوف من القانون وتحاشي الاصطدام مع مصالح الآخرين ومن ثم الصدامات مع المجتمع و…إلى آخره، أما الشر فهو، وإن كان خفياً يقبع في مجاهل اللاشعور، فإنه يتغلب أحياناً ليصل إلى مرحلة ارتكاب الجريمة، أياً كان شكل هذه الجريمة (سرقة، اعتداء من نوع ما، تزوير، وأخيراً قتل).
يتابع حمادة: عند التعامل مع شخصية مجرم لا أرى مشكلة في إلقاء الضوء على الجوانب الإنسانية فيها، لكن عندما تخرج الجريمة من كونها فعلاً غريزياً بهيمياً مختبئاً في اللاشعور لتصبح مهنة يؤدي نشاطها إلى نتائج قريبة من الإبادة الجماعية، مثل تهريب السلاح وصناعة وتهريب المخدرات، يصبح الموضوع مختلفاً تماماً.
ويرى حمادة أن «هذه الشخصيات تخلو من الهمِّ الإنساني وحتى إن وجد فهو أمر لا قيمة له أمام مئات آلاف الأطفال والأشخاص الذين يتم تدمير مستقبلهم بفعل التعاطي والإدمان، وكذلك الأمر مع مهربي السلاح في العالم كله، كما أن أي مشاعر إنسانية لدى هؤلاء لا قيمة لها وأي شهامة هي شهامة مزيفة لا تتعدى مجتمع العاملين في الحقل الذي يسيطر عليه المجرم، والحديث يشمل إضافة إلى هؤلاء أنماط أخرى من المجرمين مثل الذي يستغل سلطة لكي يستبد، أو الفاسد الذي يسرق من جيوب الناس ملايين الدولارات ويتحسّن على متسولة بمئة ليرة»!.
أما تحويل هؤلاء إلى أبطال فهو أمرٌ آخر، يقول حمادة: أعتقد أن تحويل هذه المساطر إلى أبطال إيجابيين هو عمل يفتقد أدنى درجة من الأخلاق، وهي أعمال مدانة تروج لهذه الشخصيات ولو كان هناك دور للأخلاق في إدارة مجتمعاتنا لتمت محاكمة هؤلاء بالتهمة نفسها التي ستوجه لأبطالهم!. 
يؤمن كاتب مسلسل «الخربة»، حسبما يشرح لنا، بأن «الدراما في الفترة الأخيرة ابتعدت عن المشاريع التي كانت تحمل في طياتها فكراً وثقافة، وأصبحت تدار من كواليس مجهولة تعرف ماذا تفعل، ولكن بالتأكيد ينقصها النبل والنزاهة، والترويج لهذه العاهات ليس مصادفة، بل يتم تأمين رأي عام مدافع عنها ومستسيغ لها، وإلا لما تجرأ صانعوها على تقديمها، من باب أخلاقي على الأقل»، لذلك يعتقد بلا مواربة أننا بدأنا مرحلة انهيار أخلاقي درامياً.
الترويج للعنف لم يكن وليد موسم درامي واحد في الدراما السورية، ولا ينفصل من جهة ثانية عما عايشه السوريون خلال سنوات الحرب الأخيرة، ومن ثم محاولة الدراما مواكبة الأحداث التي فرضت نفسها بقوة، لكن التعاطي الأخير معه تجاوز حدوداً كثيرة ليصبح خطراً جديداً، يأتينا من باب الترفيه هذه المرة. يقول السيناريست أسامة كوكش إجابة عما بدأنا به: «تمجيد البطل السلبي أو الخارج على القانون مسألة موجودة في مختلف أنحاء العالم، لكنها أصبحت طاغية عندنا والسبب أولاً غياب البطل الإيجابي، فحتى أبطالنا الإيجابيون لهم علاقة بشكل أو بآخر بالسلاح». مشيراً إلى غياب البطل العالِم والأديب والشاعر عندنا.. يتابع السيناريست: أصبحنا نعيش في مجتمع السلاح فيه مقدس، لاحظي مثلاً معظم ألعاب الأطفال في العيد على شكل أسلحة بطلقات بلاستيكية خلّبية تقطع أمتاراً ويمكن لها أن تتسبب بأذيات كبيرة، من دون أن ننسى أن حالة العسكرة الموجودة عندنا بسبب ظروف الحرب أصبحت هي البطولة، سواء كان هذا البطل إيجابياً أو سلبياً، لكن حتى عندما حاولنا الاشتغال على البطل العسكري الإيجابي، لم نقدمه بشكل صحيح، إذ جرى تقديمه بشكل ساذج يفتقر لكثير من مقومات الإقناع.
وكما هو معلوم فالأبطال السلبيون عموماً لديهم شعبية، ومن هؤلاء «القتلة» الذين يتمتعون عادة بشعبية كبيرة وإلا ما كانت معظم الأفلام العربية والأجنبية تقدم العنف، وهنا يستحضر كوكش ما يقال في علم النفس بأن البطل العنيف أو السلبي يمثل وجه الشر الكامن في دواخلنا جميعاً، الوجه الذي لا نسمح له بالظهور سواء بإرادتنا أو رغماً عنا تبعاً لقوة القانون أو الأخلاق أو التربية، لكنه جانب موجود داخل كل نفس بشرية، نعوض عنه بمتابعة ومحبة هؤلاء الأبطال.
يؤكد كاتب «بانتظار الياسمين» لا يمكن منع الرداءة لكن يمكن محاربتها بالأشياء الإيجابية التي لم تعد موجودة لدينا للأسف، لذلك فالحل يبدأ من البيت من خلال متابعة أطفالنا، ماذا يقرؤون وكيف يلعبون، وعلى ماذا يتفرجون، رغم قناعته بأن هذا الموضوع سيستمر زمناً طويلاً، حتى نتخلص من المظاهر المسلحة، وهو أمر لا يتفاءل بقرب تحقيقه، ومع ذلك ربما يساعد في هذا النجوم الذي يؤدون أدواراً من هذه النوعية وعدد منهم حاز محبة الجمهور ومتابعته، يقول كوكش: هم قادرون على فرض كلمتهم والطلب من كاتب أو مخرج أو شركة منتجة تبني عمل إيجابي لكن يبدو أنهم ميالون للراحة للأسف، بمعنى أن المسالة لا تعنيهم ولا يرون فيها أي مشكلة، ومن ثم هم مستمرون في تقديم هذا النمط من الأعمال.
وعلى قلة ما يبشر بالخير، رأى كوكش بارقة أمل في مسلسل «مسافة أمان»، للكاتبة إيمان السعيد والمخرج الليث حجو، الذي قدم أبطالاً إيجابيين بطريقة رائعة ومقنعة، منهم على سبيل المثال رجل أمن وشرطة قدمه الفنان وائل زيدان بشكل لا يمكنك إلا أن تحبه، فللأسف «تم تكريس رجل الشرطة كشخص يقبل الفساد بسبب أوضاعه الاجتماعية والاقتصادية والإنسانية المتردية، وتم تقديمه أيضاً على أنه شخص سلطوي يمكن أن يتسبب للآخرين بالخوف والأذى، حتى إن بعضنا يخوّف أطفاله بالشرطة في حين يُفترض أن يكون رجل الشرطة صديقنا».

تشرين



عدد المشاهدات:2071( السبت 09:14:10 2019/06/22 SyriaNow)


المصدر:
http://www.syrianownews.com/index.php?d=36&id=206608

Copyright © 2009, All rights reserved - Powered by Platinum Inc