دي مستورا، أن تقول الشيء نفسه تقريباً! .....بقلم د.عقيل سعيد محفوض

 


أنطلقُ من عنوانِ نصٍّ شهير للمفكِّر الإيطالي إمبرتو إيكو هو "أن تقول الشيء نفسه تقريباً"، لأنه ينطبق على تصريحات المبعوث الأممي حول سورية اسطفان دي مستورا الذي "يقول الشيء نفسه تقريباً"في الموضوع السوري، وهو لا يكرر ما يقوله هو نفسه فحسب، إنما يكرر ما يُوحىَإليه من قبل الولايات المتحدةكنوع من التمثل والاستبطان أيضاً.


أنماط تكرارية

إذن، ثمة نمطان رئيسان من التكرار هنا:

من حيث الموضوع، أي تكرار ما يقوله عن أولوية جنيف على المسارات الأخرى، مثل:أستانةوسوتشي،وأن أي اتفاقات وتفاهمات يجب أن تمر عبر الأمم المتحدة، وهو متوافق في ذلك تماماً مع ما تقوله الولايات المتحدة بهذا الخصوص.
من حيث الزمن،إذ يخرج السيد دي مستورا في لحظات يتم تخيُّرها بعناية–وهذا بات معروفاً ويمكن توقعه–وتحديداً في معرضمفاوضات التسوية ومفاوضات اتفاقات خفض التصعيد، وقبيل مؤتمر الحوار في سوتشي، والأهم هو قبيل أو خلالعمليات الجيش السوري وحلفائه،لاستعادة مناطق من سيطرة الجماعات المسلحة، كما حدث حين استعاد الجيش السوري السيطرة على الغوطة بريف دمشق مثلاً.

ويُعَدُّ لافتاً أن دي مستورا يكرر أيضاً مخاوفه من أمور يعرف أنها لن تحصل، فهو  تخوَّفَ على المدنيين في أحياء من مدينة حلب، ثم تخوف على المدنيين في دوما وحرستا، وقال "الشيء نفسه تقريباً" بشأن درعا والقنيطرة، وقد يفعل "الشيء نفسه تقريباً" حيال إدلب،والواقع أنه فعل ذلك بكيفية ما، مداورةً هذه المرة، بمعنى أنه دعا مسؤولين من روسيا وإيران وتركيا للمشاركة في المحادثات التي ستجري في جنيف في الـ11والـ12 من شهر أيلول/سبتمبر القادم حول "اللجنة الدستورية" السورية، في ما يعني التأكيد على أن استعادة إدلب لن تغير كثيراً في تقدير الأمور، وهذا في السياسة هو فعل مناهض للدولة السورية ومساعيها لمحاربة الإرهاب بالتوازي مع إنجاز التسويات والمصالحات، وإطلاق خطة وطنية لعودة اللاجئين.

تزامن

تتزامن دعوة دي مستورا إلى المباحثات الدستورية، مع توترٍ متزايد في روسيا والولايات المتحدة حول سوريا، وتحذيرٍ روسيٍّ من أن الولايات المتحدة وبريطانيا تعملان على إخراج تمثيلية هجوم كيماوي مزعوم من قبل الجيش السوري على إدلب، ليكون ذلك ذريعة لاعتداء ثلاثي جديد على سورية.

أن يقول دي مستورا الشيء نفسه تقريباً، فهذا جزءمن عملية أوسع نطاقاً يقول فيها شركاؤه "الشيء نفسه تقريباً" أيضاً، حول هجوم بالسلاح الكيماوي، ثم إنهم يعدون العُدَّة لفعل الشيء نفسه تقريباً، أي استهدف مواقع للجيش السوري تحت العنوان نفسه والذريعة نفسها أيضاً. هذا التزامن في المواقف والتصريحات يحمل معنى التواطؤ، إذ لا يمكن أن يكون تلقائياً أو بالمصادفة المحض!

لماذا؟

إنَّما يريده أو يحاوله دي مستورا هو نوع من العرقلة لخطط استعادة إدلب، وتأكيد منه على أن التغير في ميزان السيطرة والأمن لصالح الدولة لن يغير شيئاً من إطار العمل حول سورية، أي أنَّ عملية جنيف وأطرها المرجعية،تحديداً القرار 2254 سوف تتواصل بصرف النظر عن تطورات الوضع الميدانيّ؛بل بالضد من تلك التطورات، وحتى لو أنَّ من تقاتلهم سورية في إدلب مصنّفون إرهابيين، كما أن الخطوة التالية المتوقعة هي أن يكرر دي مستورا التعبير عن مخاوفه على السكان المدنيين في إدلب، ويعيد إنتاج كلماته نفسها تقريباً حول الغوطة ودرعا وتخوفه مما سماه "سيناريو شرق حلب".

إنَّالمخاوف على المدنيين هي في أصل الموقف السوري إزاء إمارة جبهة النصرة وتركيا في إدلب، وكان كذلك في أحياء حلب والغوطة ودرعا والقنيطرة والرستنوغيرها، أما أن يقول دي مستورا ذلك مع كل عملية، ثم أن يسكت عندما تتم مصالحة تعصم المدنيين من أي إجهاد أمني أو عسكري، فهذا (أي السكوت) مما يجب التدقيق فيه، لماذا لم يقل دي مستورا –ولا مرة–إنَّ مخاوفه بشأن تعرُّض المدنيين للخطر لم تكن في محلها، وإنَّ المصالحات والتسويات جنبتهم الأضرار؟

يواصل السيد دي مستورا مهمته وهوايته في "أن يقول الشيء نفسه تقريباً" في حالة انفصال –مع سبق الإصرار– عن واقع التطورات في الحدث السوري، وهذا ليس مجرد نمط قراءة وتقدير ولا نمطَ سلوك أو فعلاً سياسيّاً، إنما هو نوع من التأكيد على أن الحدث السوري لا يزال –من منظوره كماالولايات المتحدة– تحت احتمال حصول نكوص إلى ما كان في بداية الأزمة، وأنه لم يتجاوز عتبة التهديد العميق للدولة السورية، طالما أن الولايات المتحدة لم تصادق على ما يجري، رغم أن وصول الأمور إلى ما هي عليه اليوم، لم يكن دوماً خارج فهم أو تفهم الولايات المتحدة نفسها.

يبدو أنَّ السيد دي مستورا على يقين من أنهإذ يقول "الشيء نفسه تقريباً" حول سورية، بالتناغم –حتى لا نقول التواطؤ–مع ما تريده الولايات المتحدة، فهذا يعطي خطابه مدّة صلاحية مفتوحة، غير أن الأمور تسير في الواقع بشكل مختلف، ذلك أن الدولة السورية في وضع أفضل بما لا يقاس، وهي لا تمنحه فرصةَ مجردِ الحضور إلى دمشق.

قد يواصل السيد دي مستورا قول "الشيء نفسه تقريباً"، يفيده في ذلك تأرجح التفاهمات الروسية-الأمريكية بين تقارب وتنافر. وقد طالت مهمة الرجل بأكثر مما كان متوقعاً،وطول المدّة مَفْسَدَة.

مداد - مركز دمشق للابحاث والدراسات


   ( الثلاثاء 2018/08/28 SyriaNow)  


المصدر:
http://www.syrianownews.com/index.php?d=12&id=16709

Copyright © 2009, All rights reserved - Powered by Platinum Inc